صوت الناس

السكوت عن التعنيف جريمة

العنف آفة اجتماعية تعاني منها المجتمعات كافّة، إذ اتّسمت هذه السنة بأشكال عديدة من العنف بدأت بالتمييزالعنصري، والتعنيف ضدّ المتظاهرين أثناء المطالبة بحقوقهم.
ولا بدّ من تسليط الضوء على العنف الأسري الذي ازدادت نسبته عالمياً في ظلّ جائحة كورونا، إلاّ أنّ هناك العديد من حالات العنف غير المصرّح عنها لعدّة أسباب، أبرزها عدم الجرأة وتقبّل الواقع المرير، وخصوصاً في مجتمعنا الشّرقي ذي الطابع الذكوري.
نتيجة لتزايد حالات العنف، أقرّ البرلمان اللبناني في الأوّل من نيسان 2014 قانون العنف الأسري رقم 293/2014 الذي يتّسم بالشموليّة نظراً لتوفيره الحماية ليس فقط للفئة المستضعفة في المجتمع أي فئة الإناث بل أيضاً لفئة الذكور، كون هذا الاستضعاف ليس حكراً على فئة معيّنة من المجتمع، فيمكن أن يطال المجتمع بجميع فئاته إناثاً كانوا أم ذكوراً وحتّى الأطفال.
عرّف قانون العنف الأسري الأسرة، فبدأ بالأصول أيّ الأب والأم والجد والجدّة، وانتقل الى الفروع وهم الأبناء والبنات وصولاً إلى الأشخاص الذين تجمع بينهم رابطة التّبني أو المصاهرة.
أهميّة هذا التّعريف تكمن في شموليّته، فمن الضروري التّعرّف إلى أفراد الأسرة الذين يشملهم نطاق تطبيق هذا القانون.
إنّ العنف الأسري يشكّل خطراً فادحاً، فقد ينتج عنه قتل أو إيذاء جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي.
على الصعيد النفسي، تمّت الإشارة إلى الإيذاء النفسي المعنوي، فهو لا يقلّ أهمية عن الإيذاء الجسدي، لا بل قد يؤثّر سلباً على الشخص المعنّف من ناحية نموّ وتطوّر شخصيّته فيتحوّل سلوكه تدريجيّاً إلى عدواني، وتقلّ ثقته بنفسه أمام الآخرين، بالإضافة إلى عدم الإحساس بالأمان والسعادة والراحة النفسية، وعدم القدرة على التركيز في الأعمال اليومية، فضلاً عن الشعور الدائم بالقلق والحزن والتعاسة والتفكير السلبي الزائد، واليقظة المفرطة ليلاً، والاحتياج إلى الدّعم المعنوي، والانفصال عن الآخرين، فجميعها آثار سلبية قد تتحوّل إلى خوف دائم يلازم المعنّف طيلة حياته.
بالتالي، بدلاً من أن تكون الأسرة مصدر الطاقة والدعم والأمان والسعادة لأفرادها، تغدو مصدراً للتدمير النفسي والمعنوي الذي يفتك بالصحّة النفسيّة.
للعنف أشكال عديدة، فهناك العنف الكلامي من خلال اعتماد الكلام الجارح، وهناك الإيذاء أو العنف البدني من خلال الضرب.
ولتفاقم العنف في المجتمع أسباب عديدة منها الأجواء الأسريّة الصعبة والمتوتّرة، والفرق في الأجيال بين الأهل والأولاد، ما يولّد عدم التّفاهم وذلك لاختلاف الثّقافات، المقارنات بين أفراد الأسرة كمقارنة الأبناء ببعضهم البعض، والجهل.
جميعها أسباب ربّما تكون وراثيّة أو ناتجة عما مرّ به الأهل في حياتهم سابقاً ولم يعترفوا بها، فأصبحت تنعكس على أولادهم بشكل سلبي، ما يؤثّر على حياتهم ومستقبلهم. وإذا لم تعالج أو لم يتمّ إدراكها والاعتراف بها ستنتقل من جيل إلى جيل.
ومن الحلول التي قد تساعد للحدّ من العنف، أمر الحماية الذي أمّنه هذا القانون للضحية. والمقصود بأمر الحماية هو تدبير مؤقّت يصدر عن المرجع القضائي المختصّ وفق أحكام هذا القانون بمناسبة النظر في قضايا العنف الأسري.
ومن أجل تسهيل هذا الإجراء، وضعت المديريّة العامّة لقوى الأمن الداخلي الرّقم الساخن 1745 لمعالجة شكاوى العنف الأسري، من خلال تقديم شكوى جزائية بحقّ المعنّف ليصار إلى ملاحقته.
وقد نشأت عدّة جمعيات في المجتمع تدعى جمعيات المجتمع المدني التي تناشد بالمساواة بين الرجل والمرأة للحدّ من تفاقم العنف وتشجيع الأشخاص المعنّفين على التبليغ من أجل كسر حاجز الصمت والتّكتم. فهي تدعم هذا الموضوع حتّى الرمق الأخير في سبيل الحدّ منه حتّى إلغائه.
لا بدّ من الإشارة إلى أنّ اليوم وفي ظلّ جائحة كورونا والحجر المنزلي، ازدادت نسبة حالات العنف الأسري بشكل ملحوظ عمّا كانت عليه قبل إجراءات الإغلاق العامّ.
في ما يختصّ بالعقوبة، يعاقب على جرائم العنف الأسري بالحبس والغرامة وفق أحكام موادّ قانون العقوبات اللبناني، ويبرز أيضاً حقّ الضحيّة المدني المطالبة بالتعويض الموازي للضّرر المادي (آلام جسديّة، ندوب…)، والضّرر المعنوي (اضطرابات وصدمات نفسيّة…).
أخيراً، من أجل الحدّ من ظاهرة العنف السّائدة في المجتمع، يجب ترويج ظاهرة المساواة بين الرّجل والمرأة، والعمل على تطبيق جميع الإجراءات المتّخذة دون تردّد، وذلك لحماية الحرّيات العامّة والسّلامة العامّة للأفراد.
إنّ العمل على عكس ذلك سيغرق المجتمع في دوّامة الجهل والتّخلّف والّتي ستشكّل عائقاً أمام تقدّمه وتطوّره الإنساني.
ويبقى السّؤال، كم من أسرة تعيش حالات عنف لا يعلم عنها أحد؟ وإلى متى سوف يتسلّح ضحايا العنف بالصمت بدلاً من المواجهة والتّبليغ الفوري للجهات المعنيّة؟

المصدر: النهار -داليا نبيل حمّود

مقالات ذات صلة

إغلاق